عثمان بن جني ( ابن جني )

344

الخصائص

اللفظ في نحو : مررت بزيد ؛ إذا أردت بذلك أن تدلّ على شدة اتصال حرف الجرّ بالفعل وحده دون الاسم ، ونحن إنما عقدنا فساد الأمر وصلاحه على المعنى ؛ كأن يكون الشئ الواحد في الوقت الواحد قليلا كثيرا . ( وهذا ) ما لا يدّعيه مدّع ، ولا يرضاه - مذهبا لنفسه - راض . ويؤكّد عندك خروج هذا الكلام مخرج المثل كثرته في الشعر ، وأنه يقال لمن له أب ولمن ليس له أب . فهذا الكلام دعاء في المعنى لا محالة ، وإن كان في اللفظ خبرا . ولو كان دعاء مصرّحا وأمرا معنيّا لما جاز أن يقال لمن لا أب له ؛ لأنه إذا كان لا أب له لم يجر أن يدعى عليه بما هو فيه لا محالة ؛ ألا ترى أنك لا تقول للأعمى : أعماه اللّه ، ولا للفقير : أفقره اللّه ؛ وهذا ظاهر باد . وقد ( مرّ به ) الطائىّ الكبير فقال : نعمة اللّه فيك لا أسأل ال * له إليها نعمى سوى أن تدوما ولو أنى فعلت كنت كمن يس * أله وهو قائم أن يقوما فكما لا تقول لمن لا أب له : أفقدك اللّه أباك ؛ كذلك يعلم أن قولهم لمن لا أب له : ( لا أبا لك ) لا حقيقة لمعناه مطابقة للفظه ، وإنما هي خارجة مخرج المثل ، على ما فسّره أبو علىّ . قال عنترة : فافنى حياءك لا أبا لك واعلمى * أنّى امرؤ سأموت إن لم أقتل " 1 " وقال : ألق الصحيفة لا أبا لك إنه * يخشى عليك من الحباء النّقرس " 2 " وقال :

--> ( 1 ) البيت لعنترة في ديوانه ص 252 ، ولسان العرب ( أبى ) ( قنا ) ، وتاج العروس ( قنا ) وكتاب العين 5 / 217 ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 9 / 314 ، ومقاييس اللغة 5 / 29 . ( 2 ) البيت للمتلمس في ديوانه ص 186 ، ولسان العرب ( نقرس ) ، ( أبى ) ، وتهذيب اللغة 9 / 395 ، وتاج العروس ( نقرس ) . قال المتلمس يخاطب طرفة . يقول : إنه يخشى عليه من الحباء ، الذي كتب له به ، النّقرس ، وهو الهلاك والداهية العظيمة .